سيد قطب
3615
في ظلال القرآن
وسلم - فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثر في جنبه . فقلت : أطلقت يا رسول اللّه نساءك ؟ فرفع رأسه إليّ وقال : « لا » . فقلت : اللّه أكبر ! ولو رأيتنا يا رسول اللّه وكنا معشر قريش قوما نغلب النساء ، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ، فغضبت على امرأتي يوما ، فإذا هي تراجعني ، فأنكرت أن تراجعني ، فقالت : ما تنكر أن أراجعك ؟ فو اللّه إن أزواج النبي - صلى اللّه عليه وسلم - ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل . فقلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر ! أفتأمن إحداكن أن يغضب اللّه عليها لغضب رسوله ؛ فإذا هي قد هلكت ؟ فتبسم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقلت : يا رسول اللّه قد دخلت على حفصة فقلت : لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - منك ! فتبسم أخرى . فقلت : أستأنس يا رسول اللّه ! قال : « نعم » فجلست ، فرفعت رأسي في البيت فو اللّه ما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا هيبة مقامه فقلت : ادع اللّه يا رسول اللّه أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون اللّه . فاستوى جالسا وقال : « أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا » . فقلت : استغفر لي يا رسول اللّه . . وكان أقسم ألا يدخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه اللّه عزّ وجل » . . ( وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري بهذا النص ) . . هذه رواية الحادث في السير . فلننظر في السياق القرآني الجميل : تبدأ السورة بهذا العتاب من اللّه سبحانه لرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ، تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؟ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ، وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » . . وهو عتاب مؤثر موح . فما يجوز أن يحرم المؤمن على نفسه ما أحله اللّه له من متاع . والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لم يكن حرم العسل أو مارية بمعنى التحريم الشرعي ؛ إنما كان قد قرر حرمان نفسه . فجاء هذا العتاب يوحي بأن ما جعله اللّه حلالا فلا يجوز حرمان النفس منه عمدا وقصدا إرضاء لأحد . . والتعقيب : « وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » . . يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة ، وأن تتداركه مغفرة اللّه ورحمته . وهو إيحاء لطيف . فأما اليمين التي يوحي النص بأن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - قد حلفها ، فقد فرض اللّه تحلتها . أي كفارتها التي يحل منها . ما دامت في غير معروف والعدول عنها أولى . « وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ » . . فهو يعينكم على ضعفكم وعلى ما يشق عليكم . ومن ثم فرض تحلة الأيمان ، للخروج من العنت والمشقة . . « وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ » . يشرع لكم عن علم وعن حكمة ، ويأمركم بما يناسب طاقتكم وما يصلح لكم . فلا تحرموا إلا ما حرم ، ولا تحلوا غير ما أحل . وهو تعقيب يناسب ما قبله من توجيه . ثم يشير إلى الحديث ولا يذكر موضوعه ولا تفصيله ، لأن موضوعه ليس هو المهم ، وليس هو العنصر الباقي فيه . إنما العنصر الباقي هو دلالته وآثاره : « وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا » . . ومن النص نطلع على نموذج من تلك الفترة العجيبة في تاريخ البشرية . الفترة التي يعيش فيها الناس مع السماء . والسماء تتدخل في أمرهم علانية وتفصيلا . ونعلم أن اللّه قد أطلع نبيه على ما دار بين زوجيه بشأن ذلك الحديث